فخر الدين الرازي

185

تفسير الرازي

والنار ، قال الواحدي : وهذا تفسير فيه نظر لأن من المعلوم أن ( بني ) هذا الإنسان وغيره لم يقتحموا عقبة جهنم ولا جاوزوها فحمل الآية عليه يكون إيضاحاً للواضحات ، ويدل عليه أنه لما قال : * ( وما أدراك ما العقبة ) * ( البلد : 12 ) فسره بفك الرقبة وبالإطعام الوجه الثاني : في تفسير العقبة هو أن ذكر العقبة ههنا مثل ضربه الله لمجاهدة النفس والشيطان في أعمال البر ، وهو قول الحسن ومقاتل : قال الحسن عقبة الله شديدة وهي مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه من شياطين الإنس والجن ، وأقول هذا التفسير هو الحق لأن الإنسان يريد أن يترقى من عالم الحس والخيال إلى يفاع عالم الأنوار الإلهية ولا شك أن بينه وبينها عقبات سامية دونها صواعق حامية ، ومجاوزتها صعبة والترقي إليها شديد . المسألة الثانية : أن في الآية إشكالاً وهو أنه قلما توجد لا الداخلة على المضي إلا مكررة ، تقول : لا جنبني ولا بعدني قال تعالى : * ( فلا صدق ولا صلى ) * ( القيامة : 31 ) وفي هذه الآية ما جاء التكرير فما السبب فيه ؟ أجيب عنه من وجوه الأول : قال الزجاج : إنها متكررة في المعنى لأن معنى * ( فلا اقتحم العقبة ) * فلا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً ، ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك ، وقوله : * ( ثم كان من الذين آمنوا ) * ( البلد : 17 ) يدل أيضاً على معنى * ( فلا اقتحم العقبة ) * ولا آمن الثاني : قال أبو علي الفارسي : معنى * ( فلا اقتحم العقبة ) * لم يقتحمها ، وإذا كانت لا بمعنى لم كان التكرير غير واجب كما لا يجب التكرير مع لم ، فإن تكررت في موضع نحو * ( فلا صدق ولا صلى ) * فهو كتكرر ولم : نحو * ( لم يسرفوا ولم يقتروا ) * ( الفرقان : 67 ) . المسألة الثالثة : قال القفال : قوله : * ( فلا اقتحم العقبة ) * أي هلا أنفق ماله فيما فيه اقتحام العقبة ؟ وأما الباقون فإنهم أجروا اللفظ على ظاهره وهو الإخبار بأنه ما اقتحم العقبة . ثم قال تعالى : * ( وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ) * . فلا بد من تقدير محذوف ، لأن العقبة لا تكون فك رقبة ، فالمراد وما أدراك ما اقتحام العقبة ، وهذا تعظيم لأمر التزام الدين . ثم قال تعالى : * ( فَكُّ رَقَبَةٍ ) * . والمعنى أن اقتحام العقبة هو الفك أو الإطعام ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : الفك فرق يزيل المنع كفك القيد والغل ، وفك الرقبة فرق بينها وبين صفة الرق بإيجاب الحرية وإبطال العبودية ، ومنه فك الرهن وهو إزالة غلق الرهن ، وكل شيء أطلقته فقد فككته ، ومنه فك الكتاب ، قال الفراء : في المصادر فكها يفكها فكاكاً بفتح الفاء في المصدر ولا تقل بكسرها ، ويقال : كانت عادة العرب في الأسارى شد رقابهم وأيديهم فجرى ذلك فيهم وإن لم يشدد ، ثم سمي إطلاق الأسير فكاكاً ، قال الأخطل : أبني كليب إن عمى اللذا * قتلا الملوك وفككا الأغلال المسألة الثانية : فك الرقبة قد يكون بأن يعتق الرجل رقبة قد يكون بأن يعتق الرجل رقبة من الرق ، وقد يكون بأن يعطي